علي بن عبد الكافي السبكي
385
فتاوى السبكي
يكونوا تحت الذلة وكانت كتابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى بعد إجلاء قريظة والنضير بمكة وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فأسلم عنده الحبشة ولم يأمره بإخراجهم وكتب إلى عبدة من أهل اليمن وأمرهم أن يجمعوا الصدقة والجزية فيدفعوها إلى معاذ بن جبل ولم يأمرهم بإخراج أهل الجزية ولا فرق بين المحتاج إليهم وغيرهم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل في آخر عمره في حجة الوداع إلى اليمن وأمره في الجزية أن يأخذها من كل حالم دينارا ولم يفرق بين من بالمسلمين حاجة إليهم وغيرهم وقد نزلت في تلك الحجة اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحدث بعدها أحكام ولم يخرجوا أهل اليمن بعده فالذي يظهر أن إخراج اليهود والنصارى إنما هو من الحجاز كما هو المعروف ولا يتعدى إلى غيره إلا أن يرى الإمام المصلحة في إجلاء طائفة منهم من مصر أو مدينة إلى مكان آخر يراه فله ذلك إلى حسب النظر للمسلمين وهذا لا ينبغي أن يقال إلا إذا كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وإلا فيخشى أن يخرج من شاء ويبقي من شاء بحسب هوى نفسه وغرضه قول النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته أخرجوا اليهود والنصارى وهو وصية لأمته بما يفعلونه بعده من ذلك وجوازه متقرر قبل ذلك ألا ترى قوله تعالى ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء وذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بسنتين فلا يرد على قولنا أن الدين كمل في حجة الوداع وإنما هو تنفيذ ما تقرر جوازه وتحتمه بحسب ما علمه صلى الله عليه وسلم وعمل به عمر بعده فلا يجوز تغييره من الحجاز وأما غير الحجاز فيكون النظر فيه للإمام ولا نقول إنه واجب كما قال ابن جرير فيضيق الأمر ولا يمتنع بل بحسب المصلحة ما لم تكن حاجة أو صلح ومتى شك في صلح متقدم فالذي يظهر أنه إن ادعي صلح قريب يمكن إثباته من إمام معين لم يقبل إلا ببينة وإن بعد العهد واحتمل الصلح من بعض الأئمة أو من المؤمنين في بعض الأزمنة من غير تعيين وجب إبقاء من احتمل ذلك في حقه ولا يكلف ببينة عملا بالاستصحاب كاليد ولهذا نظير وهو من كان في يده شيء يقول إنه ملكه من شخص لم يعينه